“مولد أمة” فيلمان أميركيان بعنوان واحد

 “مولد أمة” فيلمان أميركيان بعنوان واحد
شارك الخبر

هما فيلمان أميركيان هوليووديان، يحملان العنوان نفسه دون أن يكون ثانيهما إعادة إنتاج لأولهما، ويفصل بينهما مئة عام تماماً. ومعنى ذلك أن الثاني يبدو وقد حُقّق كنوع من الاستذكار للأول، وبشكل أكثر وضوحاً، كنوع من التصحيح لتلك الخطيئة الفكرية والتاريخية الكبرى التي حملها الفيلم الأول. ولكي تكون الأمور أكثر وضوحاً، والحديث عن العلاقة بين الفيلمين معاً مبرراً بصورة أفضل، سنقدم الفيلمين تباعاً في السطور التالية.
ففي اليوم الأول من شهر نيسان (أبريل) 1915، كان العرض التجاري العالمي الأول لفيلم “مولد أمة 1915” من إخراج الأميركي د. دبليو. غريفيث. ولئن كان الفيلم قد حمل اسم “مولد أمة”، فإن معظم مؤرخي الفن السابع يرون أنه كان في الوقت نفسه يستحق أن يحمل اسم “مولد السينما”. لأنه كان الفيلم الأول الذي أحدث تغييراً أساسياً، ليس فقط في شكل السينما ومواضيعها، بل خصوصاً في وظيفتها ومحمولها الأيديولوجي. قبله لم يكن الفن السابع عرف أي سجال أيديولوجي يدور في رحاه؛ كان يعد مجرد ترفيه، وربما يُنظر إليه كإبداع فني في أحسن الأحوال. ولم يكن أحد يتوقع أن يأتي مشهد، “غير مقصود” كما سيقول غريفيث لاحقاً، ليثير تلك الزوبعة السياسية، ويفتح السجال واسعاً حول موقف الفنان من أحداث التاريخ ودلالاتها.

مولد ملتبس لتلك الأمة
نبادر أولاً إلى القول إن اسم الفيلم يشير إلى مولد الأمة الأميركية، وتحديداً من رحم حربها الأهلية التي دارت بين الشمال والجنوب، وفحواها الموقف من قضية الرق، ورغبة ولايات الجنوب في الانفصال عن الاتحاد، كي لا تجد نفسها مجبرة على إعتاق الرقيق. ويدور الفيلم حول الصداقة التي تقوم بين أبناء عائلة كاميرون الجنوبية، وأبناء القائد الشمالي “المتعصب بشدة” أوستن ستونمان. والحقيقة أن غريفيث حدّد موقفه الفكري، منذ اللحظة التي رمى فيها علامات تثير تعاطف متفرجة مع آل كاميرون، وغضبه على عنف ستونمان وتعصبه. وكان هذا الموقف يسير بالتعارض مع ما هو سائد في الإنتاج الفكري الأميركي من تبجيل لموقف الشماليين، وإدانة لعنصرية الجنوبيين. غير أن هذا الجانب كان يمكنه أن “يمر” لولا المشهد الذي اعتبر خطيراً في ذلك الحين، لأنه حمل كل ما يلزم من تبرير لمنظمة “كو كلاس كلان” العنصرية الجنوبية، التي كانت تعد العدو الأمثل لكل الديمقراطيين الأميركيين، ورمزاً للعنصرية والتعصب والعداء للسود. والمشهد يأتي حين يكون بن كاميرون – الذي يدفعنا سياق الفيلم إلى التعاطف معه – مكلفاً بتنظيم جماعة الكو كلاس كلان، المستخدمة هنا، بين أمور أخرى، للثأر لموت فلورا كاميرون “الشقيقة الصغرى”، التي كانت قتلت وهي تحاول الهرب من غاس، “الزنجي العنيف والكريه”، الذي كان يحاول اغتصابها. وجماعة الكوكلاس كلان، لا تكتفي بهذا، بل إنها هي التي تتولى عند نهاية الفيلم مصالحة العائلتين في لفتة أيديولوجية ذات دلالة صارخة.

فيلم خطير
كان أخطر ما في هذا الفيلم، الذي اعتبر – فنياً – ثورة حقيقية في تاريخ السينما، أنه فيلم جيد مشغول بعناية وقادر على “إقناع” متفرجيه. ومن هنا كان عنف الهجوم عليه، من قبل الكثيرين، والحيرة أمامه من قبل الباقين: إذ كيف يمكن القبول بفيلم جيد الشكل والأداء الفني، يكون همه الرئيس الدفاع عن ذلك التنظيم العنصري وتبرير وجوده وتصرفاته؟
طوال السنوات التالية، كرس غريفيث جزءاً كبيراً من وقته لتبرير فعلته، والقول إنه لم يقصد أبداً الدفاع عن الكو كلاس كلان. “كل ما كنت أريده تفسير السبب الذي قد يدفع بعض الشبان إلى الانخراط في تنظيمات عنصرية. لأننا لو عرفنا السبب سنعالجه، وبالتالي لن يكون هناك مبرر منطقي يجعل شاباً واعياً يتصرف كعنصري متعصب”. طبعاً هذا التبرير لم يقنع أحداً يومها، ولم يقتنع أحد طبعاً بكل ما جاء في كتيب أصدره غريفيث، مبرراً، بعنوان “بروز وسقوط الفكر الحر في أميركا”. ومع هذا، ما أن حقق غريفيث فيلمه الكبير والطويل التالي “تعصّب” حتى بدأ أهل المهنة والمعنيون يتسامحون مع “سقطته” السابقة، مدركين أن “موقفه العنصري” في “مولد أمة”، لم يكن متعمداً. لكن الفيلم الآخر “مولد أمة 2015” لا يرى الأمور على هذا النحو.
المصدر : إنديبينديت العربية

آخر الأخبار