رمضان في موريتانيا.. تراث غذائي متجذرو عادات أصيلة راسخة

 رمضان في موريتانيا..  تراث غذائي متجذرو عادات أصيلة  راسخة
شارك الخبر

جيهان غديرة

لكل شعب طابعه الخاص وانفراده بالاحتفاء بقدومه، والموريتانيون شأنهم شأن باقي الدول الإسلامية لهم طقوس وعادات ينفردون بها ويعبرون من خلالها عن سعادتهم واحتفائهم بقدوم شهر رمضان الكريم.

وبكثير  من التعظيم والفرح يستقبل الموريتانيون شهر رمضان الفضيل، الذي يعتبرونه ظرفاً زمانياً مباركاً للازدياد من الطاعات، والإكثار من القربات، فيه يمارسون العديد من العادات والتقاليد الموروثة، التي لا يخلو بعضها من مفارقة وغرابة .

عادات موروثة

من العادات والطقوس التي يتبعها الموريتانيون قبل الشهر الفضيل وهو ما يعرف محليا ” بزغب رمضان”  وهي عبارة عن حلاقة شعر رأس الصبيان وأحيانا الكبار، لكي يبدأ الشعر بالنمو مع بداية شهر رمضان الفضيل.

ونتيجة لتمازج المجتمعات العربية والإفريقية المجاورة للمجتمع الموريتاني، تشكلت لديه عادات وتقاليد ليس لها من تفسير إلا أنها ناجمة عن هذا التمازج،

فحلق الشعر مثلا ارتبط لديهم بـ” الفرح و الغبطة و السرور والابتهاج، وكانت حلاقة الرأس في المجتمع الموريتاني القديم بمثابة يوم عظيم يعم فيه السرور”.

ولا تزال عادة زغب رمضان ممارسة بشكل كبير في المجتمع الموريتاني، رغم انحسارها شيئا ما بسبب طبيعة الحياة العصرية التي أودت ببعض أجزاء طرق إقامتهاـ

اذ اقتضت العادة أن يقوم الأب بحلاقة شعر ابنه بنفسه، بطريقة تقليدية، كما يقوم الرجال بحلاقة رؤوس بعضهم البعض، أما اليوم فقد أصبح الآباء يوكلون المهمة للحلاق العصري.

وعلى الرغم من ذلك، تشهد محلات الحلاقة إقبالا كبيرة في بداية شهر رمضان، وكثيرا ما يكون الطلب على الحلاقة للأطفال تطبيقا لعادة ” زغب رمضان” .

العادات الغذائية

وتتشابه العادات الغذائية لدى المجتمع الموريتاني في شهر رمضان، وتشكل روتينا شبه ثابت منذ فترة طويلة.

 ورغم أن بعض الوصفات الوافدة بدأت تتسلل خلال الأعوام الأخيرة إلى المطابخ الموريتانية إلا أن تأثيرها يبدو طفيفا، حيث لا يزال التمر أول ثوابت الإفطار امتثالا للسنة النبوية الشريفة.

ويظل ” الطاجين”  الوجبة الرئيسة التي لا تخلو مائدة إفطار موريتانية منها، وهو عبارة عن طبخة معدة من البطاطس باللحم.

و  يمثل” الزريق ”  المشروب الأساسي، وهو خليط من الماء والحليب واللبن الرائب، ويفضل أن يقدم في أوانٍ خشبية يدعونها “القداح”، إضافة إلى “الشوربة” المعدة من  دقيق الذرة أو الشعير أو الدخن وأحياناً من الخضراوات المطحونة .

كما أن الشاي الأخضر أساس في وجبة الافطار وجلسته تكون جماعية حيث يجتمع أكبر عدد ممكن من الأفراد، ويعد على نار هادئة.

وبعد صلاة العشاء والتراويح يكون طبق اللحم المشوي قد استوى على الفحم ليقدم مع السلطة الخضراء.

 و لكن يختلف توقيت تناول هذه الوجبة فمنهم من يتناولها مباشرة بعد الفراغ من صلاة المغرب، ومنهم من يؤخرها إلى ما بعد صلاتي العشاء والتراويح.

من المشروبات التي يفضلها الموريتانيون في إفطارهم “البيصام”، الذي يسود الاعتقاد بأن له مزايا صحية وأنه مزيل للعطش، وهو مشروب أفريقي أحمر اللون، يتم إعداده من خلال نقع عشبه في الماء الساخن، ثم تبريده وتحليته وتوزيعه في أكواب على الصائمين.

أما وجبة “السحور” فتتكون غالبا من الأرز والحليب، ويسميه بعضهم “كوسي”، بينما يفضل بعض منهم آخر تناول الحساء بالحليب، أو الكسكسي واللحم.

شراء الاحتياجات

ينزل غالبية الموريتانيين إلى السوق يومين أو ثلاثة قبل حلول الشهر المبارك من أجل شراء احتياجات شهر كامل من المواد الغذائية كاللحوم والخضراوات لكن القدرة الشرائية للأسرة هي الفيصل في انتقاء ما يمكن من السوق وهي أيضا الفارق بين الفقراء والأغنياء.

وعلى الرغم من التطور الذي شهدته المائدة الرمضانية الموريتانية بسبب الاحتكاك بالثقافات الأخرى، إلا أن الموريتانيين يركزون في رمضان على الوجبتين الشائعتين عند المسلمين: الفطور والسحور، فضلاً عن الشاي الأخضر المعد وقت الفطور.

قارعي الدفوف

ومع اقتراب وقت السحور نشاهد عددا من الفتية يطوفون الشوارع يحاولون تقليد المسحراتي من خلال الإعلام بوقت السحور حيث يجوبون الطرق وهم يحملون في أياديهم أوعية معدنية لنقر عليها من أجل إيقاظ الناس على السحور مرددين عبارة: “تسحروا يا عباد الله فإن في السحور بركة.

و لكن قد لوحظ خلال الفترة الأخيرة أن جيلا جديدا من ” المسحراتي ”  بدأ في الظهور حيث يتطوع مجهولون، بالاتصال بعشرات الهواتف المنزلية كل ليلة بشكل عشوائي؛ للتذكير بوقت السحور، ويتسم هؤلاء المتطوعون بالسلوك الطيب والرزانة في القول والفعل.

مراسيم خاصة

ولا يعرف الأطفال في موريتانيا فانوس رمضان، لكنهم يخرجون إلى الحدائق والشوارع بعد الإفطار، ويمارسون ألعابهم المختلفة، وقد يصحبون والديهم إلى صلاة التراويح.

وتزدهر مجالس العلم والشعر في شهر رمضان بموريتانيا، وينظم المثقفون أمسيات ثقافية وفنية تشمل مختلف أشكال الإبداع.

 ولايزال الموريتانيون يحرصون على ممارسة عاداتهم وتقاليدهم الأصيلة في الشهر الكريم، لاسيما من جانبها الديني كالحرص على صلاة التراويح جماعة في كل بيت وزيارة الأهل والتكافل الاجتماعي والقيام بالأعمال الصالحة.

وبعد أداء صلاة التراويح يبدأ الناس التزاور، وتبادل أحاديث السمر، وتتسلى النساء بلعبة شهيرة تدعى “السيك” فيما يلهو الرجال بلعبة الشطرنج التقليدية المسماة “ضاما”.

إحياء رمضان

يحيي الموريتانيون أيام وليالي رمضان بإقبال كبير على المساجد التي تبدأ مجالس التدريس والمدارسة فيها بعيد صلاة الظهر.

العادة عند بعض فئات المجتمع ذات الأصول الأفريقية أن تخصص الجلسات العلمية بعد الظهر للفقه، وبعد العصر لتفسير القرآن الكريم، في حين يحرص آخرون على ختم صحيح البخاري في كل رمضان.

وتقام صلاة التراويح في المساجد والساحات العام حيث يقبل على حضورها الكبار والصغار والذكور والإناث.

كما تغير القنوات الإذاعية والتلفزيونية، العمومية منها والخاصة، برامجها في رمضان؛ حيث تفرد مساحات واسعة في البرامج والنشرات للشأن الرمضاني المرتبط منه بمعاشات الناس وقضاياهم، الدنيوية منها والدينية.

وتفتح خطوط هاتفية للجمهور لطرح اشكالاتهم، الفقهية منها والصحية، على متخصصين تستضيفهم في برامجها.

في القرى تقام السهرات المدحية في الساحات العامة، وتعقد مجالس السمر حيث يتبارى الشعراء وتجرى المسابقات في مختلف صنوف المعارف الشرعية من فقه وسيرة ونحو وغيره.

آخر الأخبار