رائحة رمضان في تونس.. بين العبادات الروحانية والعادات الراسخة

 رائحة رمضان في تونس.. بين العبادات الروحانية والعادات الراسخة
شارك الخبر

جيهان غديرة


مع حلول شهر رمضان من كل عام، تشهد غالبية المدن التونسية حركة غير معهودة، وتزدهر مهن موسمية يرتبط نشاطها التجاري بهذا الشهر المعظم، لما يضفيه من حركية اقتصادية على الأنشطة التجارية وعلى نسق الاستهلاك.


يحمل شهر رمضان مكانة كبيرة في قلوب جميع العائلات التونسية، التي تبدأ الاستعداد باكرًا، حيث تتعدد المناسبات العائلية والأفراح وتتزين لياليه بالموشحات الدينية.

وتشهد الأسواق رواجًا وإقبالًا كبيرًا، حيث يعرض الباعة كل ما يحتاجه التونسيون من التوابل والتمور والفواكه الجافة، لصناعة ألذ المأكولات التي يشتهر بها المطبخ التونسي.

ويكثر الإقبال على أنواع معينة من الأواني التي تستعمل بشكل كبير خلال هذا الشهر الكريم، كأواني حساء “الشوربة” وأطباق الحلوى والعصائر، حيث يتميّز شهر رمضان المبارك في تونس بمظاهر كثيرة ومتنوعة، سنحدثكم عنها في هذا التقرير:


رمضان في ظل كورونا

الاستعداد لرمضان هذا العام لم يكن مثل سابقيه في كل العالم، ظروف كورونا أفقدته روحه وجعلت أيامه أكثر هدوءا وأقل قيمة.

هذا الشهر في الأصل لا قيمة له دون تجمع الناس في المساجد للصلوات، ودون أيام التسوّق والحياة النشطة والسهرات العائلية، فالفيروس غيّر كل شيء فيه وحرم الجميع من فرحته صغارا وكبارا.

لكن بعض المدن تحافظ بما يمكن على تقاليدها وطقوسها فيه، سواء في الأسواق التي تبدو هذا العام أقل اكتظاظا، أو سوءا في المنازل أين تجتهد العائلات في خلق أجواء خاصّة يجتمع فيها الروحي بالترفيهي.

فالمعروف في عادات التونسيين أنهم يجهّزون أنفسهم لشهر رمضان بشكل مبكّر، أغلب العائلات تشتري ما تحتاجه من مواد أساسية تجنبا لفقدانها أو ارتفاع أسعارها.

الكثير من الرجال يحاولون جعل الشهر مناسبة لملازمة البيت وقراءة القرآن وتجنب ضغط العمل بقية الأيام، في حين يكون رمضان بالنسبة إلى آخرين فرصة للعمل في الحلويات والخضروات بالنظر إلى كثرة الإقبال عليها.

أسواق تونس تتهيأ لاستقبال رمضان

الاستعداد لشهر رمضان الكريم في تونس، لا يقتصر على شراء المواد الاستهلاكية والأواني فقط، بل يمتد إلى المساجد حيث يعمل المشرفون على مساجد تونس في كامل أنحاء البلاد على تنظيفها وتزينها بأضواء الزينة وتعطيرها بأفضل العطور لاستقبال المصلين.


كما تعمل ربات البيوت أيضًا على غسل الأواني التي ستستعمل طيلة رمضان وغسل منازلهم وتهيئتها لسهرات رمضانية، إضافة إلى طلاء الجدران والأسقف بلون جديد مضيء، احتفالًا بهذا الشهر العظيم.

شهر الأفراح والمسرات

تجمع السهرات الرمضانية بين العبادة والمتعة والترفيه، ولكل طالب ما يريد، حيث يحظى شهر الصيام لدى مختلف فئات المجتمع بقداسة خاصة.

فرائحة أجواء الشهر تتميز بعبق خاص له نكهة مميزة من اللمات العائلية، وتشهد المدن الكبرى حركية وأنشطة ثقافية وتجارية مكثفة والتي من شأنها أن تمنح عشاق السهر فرصة التسلية.

كما يتميّز الشهر المبارك في تونس بكونه شهر الأفراح والمسرات، حيث يتبارك التونسيين بهذا الشهر وتتعدد فيه المناسبات الأسرية، منها إقامة مواكب الخطبة بالنسبة للفتيات، وتقديم الهدايا لهن ليلة 27 رمضان وتسمّى (الموسم) للواتي تمت خطبتهن، إضافة إلى احتفال بعض العائلات في ليلة القدر بختان أطفالها .


طغيان الجانب الديني عند التونسيين في رمضان


يمثل شهر رمضان في تونس مناسبة للتكافل الاجتماعي ولاحياء التراث الإسلامي، فخلال الشهر الفضيل نلاحظ انتشار “موائد الرحمن” في مختلف أنحاء البلاد.

كما نرى بعض الصور المختلفة من التضامن الاجتماعي، ومن بينها تقديم المساعدات إلى الأسر الفقيرة وتنظيم قوافل تضامنية تقدم هدايا ومبالغ من المال للمحتاجين.


ويحتل شهر رمضان مكانة روحية عميقة لدى التونسيين، حيث تمتلئ الجوامع في كل محافظات البلاد بروادها الذين يفترشون الشوارع والأحياء التي تقع بالقرب منها من أجل الصلاة أو سماع الدروس الدينية التي تحرص المساجد على زيادة جرعتها خلال شهر رمضان، وتصدح المآذن بتلاوات خاشعة للقرآن يؤمنها أئمة من خريجي جامعة الزيتونة للعلوم الإسلامية.

ويتسابق التونسيون عقب إفطارهم إلى حضور صلاة التراويح، ومواكبة مجالس الذكر وحلقات الوعظ الديني والمحاضرات والمسامرات الدينية، وتلاوة ما تيسر من القرآن إلى جانب عدد كبير من الأختام والإملاءات القرآنية، وحصص لختم الحديث النبوي الشريف.


مائدة التونسيين في رمضان


فضلاً عن هذه الاستعدادات الكبرى التي تميز هذا الشهر الفضيل، يتميز شهر رمضان في تونس بعديد من التقاليد والعادات والبداية تكون بالاحتفال بيوم “القرش” أي اليوم الأخير من شهر شعبان.

وتعد ربة البيت وجبة دسمة لوداع شهر شعبان، وتختلف هذه الوجبة حسب إمكانات وظروف هذه الأسرة وتلك لكن في العادة، ويهيأ بالعاصمة إما طبق “الرفيسة” المكوّن من الأرز المطبوخ مع التمر والزبيب، أو”المدموجة” و هي ورقات من العجين المقلي مفتتة ومحشوة بالتمر والسكر .


أما في الشمال الغربي لتونس تحضر “العصيدة” بالدقيق والسمن والعسل، و في الساحل تصنع الفطائر بالزبيب، في حين يطبخ أهل الجنوب “البركوكش” وهو دقيق غليظ الحبات يطبخ بأنواع من الخضر.

وتتغير العادات الغذائية لدى التونسي في شهر رمضان، ويزداد استهلاكه لمواد معينة، وأغلبها المنتجات الاستهلاكية على غرار الحليب والخبز والمواد السكرية نظرًا لارتباط بعض العادات بتناول الحلويات في “السهرية”.

وقد جرت العادة على أن يفطر التونسيون على التمر واللبن، ثم يؤدون صلاة المغرب ليعودوا بعد ذلك إلى مائدة الإفطار التي تتميز بنكهة خاصة في رمضان، حيث تعدّ المرأة التونسية أطباقًا من أشهى المأكولات تحافظ فيها على عادات التونسيين وتقاليدهم.

فالحلويات و”الملسوقة” والألبان وغيرها منتجات رمضانية لا يكاد يخلو منها بيت تونسي في رمضان، ويعتبر ممتهنوها أن هذا الشهر جلّاب خير لمهنتهم، نظرا لارتفاع الطلب على منتجاتهم .


وانطلاقًا من اليوم الأول لهذا الشهر الكريم تأخذ مائدة الإفطار صبغة خاصة، ويعتبر “البريك” من أبرز مكوناتها.


“الملسوقة”


ففي شهر رمضان، لا تخلو أسواق تونس من باعة “الملسوقة” ( البريك )، فهو أكثر المأكولات التي تتصدر المائدة في كلّ البيوت وبصفة يومية.


وهو عبارة عن نوع من الفطائر كبيرة الحجم تحشى بالدجاج أو اللحم في مختلف المناطق مع إضافة البقدونس والأجبان والبصل.

وبعد تناول “البريك” يأتي دور الحساء، وخاصة “حساء الفريك” باللحم أو الدجاج، ثمّ تأتي الأطباق الأساسية الأخرى من الخضروات واللحوم المختلفة والتي تطبخ في تونس عادة بزيت الزيتون.

ومن الأطباق الأخرى الشعبية التي توجد على مائدة الإفطار التونسية نجد “الطواجن” بأنواعها المختلفة و هو طبق شعبي مميّز وتختلف صناعته من منطقة لأخرى.

وهو عبارة عن كيك مالح يصنع من الجبن الرومي أو الموزاريلا مع البيض والبهارات وبعض الخضروات وأنواع من اللحوم وتمتزج كل هذه اللوازم وتخبز في الفرن.


أما السلطة على المائدة التونسية فلها أنواع كثيرة ويتم تقسيمها إلى سلطة مشوية وسلطة نيّة خضراء.


البسيسة والألبان


ولباعة “البسيسة” (أكلة شعبية تونسية تتكون أساسا من القمح أو الشعير المطحون مع بعض البقول) والألبان و”الموالح” (المخللات) بمختلف أنواعها نصيب من الربح في شهر رمضان.

إذ تكتظ هذه المحالات بالناس الذين يتوافدون عليها لشراء هذه المأكولات التي تأخذ مكانتها على موائد الإفطار ويزداد استهلاكها في الضيافة أيضا.


ويسعى أصحاب المحالات المتخصصة إلى عرض هذه الأنواع من المنتوجات الرمضانية نظرا لزيادة الإقبال عليها.


خبز تونسي


كما تزدهر صناعة الخبز الرمضاني، فالخبازون في مختلف محافظات تونس يتفننون خلال هذه الفترة من العام في تحضير أصناف أخرى من المعجنات زيادة على الخبز اليومي المصنوع من القمح والحبوب.

ويتضاعف عمل الأفران في إنتاج الخبز الطازج الذي يغري برائحته الصائمين فيقبلون على شراء أكثر من صنف تلبية لرغباتهم

وتختصّ الأحياء العريقة في تونس العاصمة في شهر رمضان أساسًا ببيع نوع من الحلويات التقليدية التي تعرف بها تونس وتسمّى “الزلابيا” و”المخارق”، وتشتهر بها محافظة باجة الواقعة في الشمال الغربي التونسي (105 كلم عن العاصمة).

وهي من مشتقات القمح والعسل والجلجلان (السمسم) على شكل قطع مستديرة ومشبكة أو مستطيلة مع الاستدارة، وهي في الأصل من منطقة الشمال الغربي لتونس وما يزال سر صناعتها محفوظًا لدى سكان المنطقة الذين يختصون بها.

كما يعد “المقروض القيرواني” و”البوظة ” و”المهلبية” و”الصمصة” من أشهر الحلويات التقليدية إلى جانب انتشار صنع القطائف التي استقدم التونسيون سر صناعتها من الشام وتركيا.


تتزين ليالي رمضان تونس بالحفلات الفنية

ورغم تقدم الوقت والتطور التكنولوجي، ما زالت تونس تحتفظ بتقليد “بوطبيلة” أو “المسحراتي” كما يسميه المشارقة، ويجوب “بوطبيلة” الأزقة والشوارع مؤذنًا بقرب موعد السحور والإمساك، ويضفي “بوطبيلة” أجواءً جميلة ينتظرها التونسيون في الأحياء التي يجوبها من خلال نقر الطبل والمناداة بالدعوة إلى السحور.

وترتبط مهنة “بوطبيلة” بتاريخ إسلامي يعود إلى عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث كان المسلمون يعرفون وقت السحور في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بأذان بلال بن رباح، ويعرفون الامتناع عن الطعام بأذان عبد الله ابن أم مكتوم.

آخر الأخبار