انتصار الفلسفة.. التاريخ القصير لليونان

 انتصار الفلسفة.. التاريخ القصير لليونان

أحمد المسلمانى

شارك الخبر

أحمد المسلماني

نقلا عن جريدة الوطن: فقدت اليونان استقلالها عام 146 قبل الميلاد.. ولم تعُد اليونان دولة مستقلة إلا فى عام 1832 ميلادية. وهكذا استمر احتلال ذلك البلد الحضارى الكبير نحو (2000) سنة متواصلة.

إن معظم التاريخ الأوروبى هو قصة مدينتين: أثينا وروما، ثم إنه كان لعدة قرون قصة ثلاث مدن: أثينا وروما والقسطنطينية.

احتلت روما أثينا، وفتح العثمانيون القسطنطينية، ومضى التاريخ من حرب إلى حرب، ومن سلطة إلى سلطة.. ولكن روما استطاعت البقاء مركزاً لأوروبا أطول فترة فى التاريخ.

ثمّة لغز كبير فى الحالة اليونانية.. كيف صمدت اليونان التى جرى احتلالها عشرين قرناً، ثم واجهت بعد الاستقلال موجات احتلال وحروب أخرى، ثم إنها واجهت بعد الاستقرار موجات قلق اقتصادى واجتماعى واسع. وعلى الرغم من ذلك كله فإنها لا تزال تلك الدولة المضيئة، التى تحوز ذلك الحضور الطاغى والمكانة المرموقة؟

تعود أقدم حضارة فى منطقة بحر إيجه إلى تلك التى أسسها غزاة أوروبا الوسطى الذين وصلوا إلى اليونان عام 2000 قبل الميلاد. وبعد ستة قرون وفى عام 1400 قبل الميلاد بلغت تلك الحضارة قوة كبيرة استمرت قروناً بعد ذلك.

واجهت الحضارة اليونانية موجة الحروب الفارسية، ثم «الحروب البلوبونيزية» بين إسبرطة وأثينا، وهى الحروب التى أدت إلى تدمير أثينا.

لقد أصبحت اليونان فى القرن الرابع قبل الميلاد على موعد جديد مع التاريخ، فقد سيطر الملك فيليب المقدونى على كل اليونان فى عام 339 قبل الميلاد. ثم كان العصر الأسطورى لابنه الإسكندر الأكبر المقدونى.. تلميذ الفيلسوف أرسطو.

أصبحت اليونان فى عهد الإسكندر إمبراطورية كبرى تمدّدت من جبل طارق إلى الهند. قطع جيش الإسكندر (17) ألف ميل، وأسس إمبراطورية مساحتها (2) مليون ميل مربع. وكان من بين ما احتل حضارتان كبيرتان: المصرية والفارسية.

كان الإسكندر يحمل خليطاً من الفلسفة والعنف والجنون. كان سفاحاً قتل أعداداً هائلة من شعوب الشرق، وروّج جهازه الدعائى لكونه ابن إله، ثم أعلن نفسه إلهاً.

بالتوازى مع أيديولوجيا الدم وأوهام الألوهية.. كان الإسكندر الأكبر منفتحاً ثقافياً، وأراد تشكيل عولمة بين الشرق والغرب، حيث التعايش المشترك واندماج الحضارات.

ويصف البعض تجربة الإسكندر الأكبر بأنها تأسيس لإمبراطورية فكرية، لا إمبراطورية اقتصادية.. تهدف إلى جمع الذهب وتوسيع الأراضى.

إن تجربة الإسكندر -فى تقديرى- لم تكن تجربة فكرية أو سياسية.. بقدر ما كانت سعياً وراء كلمة واحدة هى: المجد. ولقد نجح فيما أراد، غرق الضحايا جميعاً، كما غرق جيشه هو نفسه فى عالم النسيان.. وبقى الإسكندر رمزاً للقوة والمجد.

إن الإسكندر الأكبر هو نموذج طبيعى لكبار النجوم فى التاريخ، حيث يجرى بناء القوة على جسور من الدم، وتشييد معالم العظمة على جبال من الحزن. وحيث لا يصبح البشر سوى أرقام فى سُلّم الصعود، وأرقام أخرى فى سُلّم الخلود.

فى الثالثة والثلاثين من عمره رحل الإسكندر، ثم تداعت «الإمبراطورية»، وبعد أقل من قرنين سقطت اليونان أمام الرومان فى معركة أكتيوم الشهيرة عام 31 ق.م. وبعد قرابة خمسة عشر قرناً من الاحتلال الرومانى، بدأ الوجود العثمانى فى اليونان، والذى استمر حتى القرن التاسع عشر.

لماذا بقيت اليونان إذن فى مكانتها المرموقة.. على الرغم من ذلك التاريخ البائس، والأداء السياسى المتردى؟ إن تاريخها لا يعدو أن يكون «إمبراطورية هائلة» فى لحظة استثنائية، ثم «دولة محتلة» بقية التاريخ.. لكنها استمرت -على الرغم من ذلك كله- مالكة لرونقها وبهائها.. وهنا لغز اليونان الكبير.

إن جوهر قوة اليونان هو «الثقافة اليونانية». إنها القوة الناعمة لليونان التى لم يكن ممكناً هزيمتها. لقد شكلت اللغة اليونانية جزءاً كبيراً من ذلك النفوذ، حيث أصبحت لغة الثقافة العالمية حيناً من الدهر، كما أنه قد جرى كتابة «الأناجيل» بها.. حين اعتنقت الإمبراطورية البيزنطية المسيحية. ثم إن الإمبراطورية البيزنطية كانت ناطقة باليونانية، وقد أعطى ذلك مجداً كبيراً للفكر اليونانى.

لقد كان الفكر اليونانى محظوظاً، بينما كان الفكر المصرى أقل حظاً، حيث توقّف الخليفة العباسى المأمون عن ترجمته إلى اللغة العربية، بسبب اعتراض بعض المتشددين. وهو ما جعل الفكر اليونانى يكسب مساحة أكبر فى معركة البقاء.. على حساب الفكر الفرعونى.

إذا كانت اللغة اليونانية قد حفظت التراث اليونانى، فإن الفلسفة اليونانية ونجوم العقل الإغريقى هم الذين جعلوا اليونان حاضرة حتى القرن الحادى والعشرين، بنفس حضورها الثقافى القديم.

إن الفيلسوف طاليس، والفلاسفة الكبار: سقراط وأفلاطون وأرسطو ومدرسة المشائين، ونجوم المعرفة من أبقراط إلى فيثاغورث إلى هيرودوت، ونجوم الأدب من هوميروس إلى سوفوكليس.. قد شكّلوا جميعاً القوة الناعمة اليونانية، التى استطاعت هزيمة الهزيمة.. والبقاء طيلة هذا التاريخ.

لقد كانت منطقية للغاية تلك المعركة التى خاضتها اليونان عام 1991 اعتراضاً على اسم جمهورية مقدونيا. استمرت المعركة (27) عاماً، حيث رفضت اليونان تسمية مقدونيا بهذا الاسم. وقالت اليونان: إن «مقدونيا اليونانية» هى مقدونيا الإسكندر الأكبر، وإنها هى أساس الفكر والحضارة اليونانية، وليست «مقدونيا اليوغوسلافية».

قدمت اليونان اعتراضها إلى الأمم المتحدة بعد تفكك الاتحاد اليوغوسلافى واستقلال مقدونيا. وبناء على اعتراض اليونان جرى تسمية الدولة «جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة».

لم تستطع مقدونيا التى دخلت بهذا الاسم إلى الأمم المتحدة دخول الاتحاد الأوروبى أو حلف الناتو، وذلك لاعتراض اليونان، وطلبها تغيير اسمها.

خرج عدد كبير من اليونانيين فى مظاهرات مدينة سالونيك عاصمة إقليم مقدونيا اليونانى وثانية مدن اليونان بعد أثينا. كما خرجت مليونية فى العاصمة أثينا.. حيث اعترض الشعب اليونانى بما يقارب الإجماع على اسم «جمهورية مقدونيا».

وحسب مؤلف موسيقى فيلم «زوربا» «ميكيس ثيودوراكيس» والذى شارك فى المظاهرات: «لطالما ناضلت من أجل وحدة الشعب اليونانى. يمكن أن نواجه هذه المشكلة الكبرى متحدّين يداً واحدة»؟ وقال يونانى آخر عاد من خارج اليونان ليشارك فى المظاهرات: «مقدونيا يونانية فقط لا غير. يريدون سرقة التاريخ».

كانت «مقدونيا» تسمى مطار «سكوبى الدولى» باسم «الإسكندر الأكبر» كما أن الطرق الرئيسية فيها كانت تحمل اسم الإسكندر. وكان ذلك مثار غضب كبير فى اليونان. وحسب موقع «بى بى سى» فإن البعض فى اليونان كان متخوفاً من أن تكون هناك مطامع مقدونية فى «مقدونيا اليونانية».

فى عام 2018 جرى التوصل إلى اتفاق يتضمَّن رفع اسم الإسكندر الأكبر من مطار عاصمة مقدونيا، والاعتراف بأن شعب مقدونيا الشمالية لا علاقة له بالحضارة اليونانية القديمة، وأن لغته تنتمى إلى أسرة اللغات السلافية، ولا علاقة لها بالتراث اليونانى القديم. وواقفت اليونان بدورها على التسمية الجديدة «جمهورية مقدونيا الشمالية»، ويسمى سكانها «المقدونيين»، وتسمّى لغتها «المقدونية».

إن معركة «اسم مقدونيا» تمثل ذلك الإدراك اليونانى العميق بالتساوى بين المعرفة والهوية.. التاريخ والسياسة.. الثقافة والدولة. أن اليونان التى جرى احتلالها معظم التاريخ لم تعد تملك منه سوى الفلسفة، وأن خسارة التراث الفكرى اليونانى، أو فقدان الأستاذ «أرسطو» أو التلميذ «الإسكندر الأكبر».. إنما يعنى فقدان اليونان لذاتها.

إن ما أبقى اليونان حاضرة -رغم غياب التاريخ- هو العقل اليونانى ممثلاً فى فلاسفتها الكبار. وحسب الفيلسوف المصرى زكى نجيب محمود فإن «أرسطو» قد سيطر على «العِلم» عشرين قرناً، حيث لم يكن العلم إلا أرسطو أو من يقلّد أو يشرح أرسطو.. أو الذين يعملون طبقاً للمنطق الأرسطى. حتى جاء العصر الحديث.. والذى افتتحه رينيه ديكارت وفرنسيس بيكون فلسفياً، ثم انتسب إلى إسحق نيوتن علمياً.

يقدم تاريخ اليونان درساً عظيماً فى تفوّق العقل على السلاح، وسطوة الفكر على السياسة. لقد واجهت اليونان هزائم عديدة، وإخفاقات متتالية.. لكن تلك القوة الناعمة التى تشكّلت قبل قرون.. قد ساعدت فى بقاء الأضواء، وسطوة الإبهار.

لقد صمد الفكر حين انهزم السلاح، وواصلت الحكمة حين انهارت السلطة. إن موجز تاريخ اليونان يتكون من كلمتين: انتصار الفلسفة.

آخر الأخبار