“الفتوة”.. نسخة رديئة من “حرافيش” نجيب محفوظ

 “الفتوة”.. نسخة رديئة من “حرافيش” نجيب محفوظ

ياسر جلال

شارك الخبر

كتب – عباس السكري

“فى حارتنا إما أن يكون الرجل فتوة وإما أن يعد قفاه للصفع” بهذه العبارة لخص أديبنا الأكبر نجيب محفوظ عالم الحارة الشعبية وظروفها وقوانينها.. التى فشل صناع مسلسل “الفتوة”  فى استعادة روحها، وجاء المسلسل متواضعا فى كل شىء (فكرته، تكوينه، مضمونه، تفاصيله، إخراجه، حتى التمثيل إلا من رحم ربى) ومن باب قانون حارة نجيب محفوظ نستطيع القول :”فى دراما رمضان إن لم يكن المسلسل قويا يستعد للصفع والنقد”، ولعل أبرز المسلسلات الرمضانية التى تستحق الصفع مسلسل “الفتوة” بطولة ياسر جلال، تأليف هانى سرحان، إخراج حسين المنباوى.

1

كان من الأفضل والأكمل والأوجه أن يُطلق على المسلسل اسم آخر غير “الفتوة” فهو لا يمت للاسم بشىء، وإن كان فى غايته يحمل نفس رسائل حرافيش نجيب محفوظ، لكنه بدا مع نهاية حلقاته توليفة رديئة ومتواضعة من “الحرافيش”، باستثناء مشاهد “المتلتم”، حيث اقتبسها المؤلف من مغامرات “روبن هود” سبق وقدمها محمد سعد اللمبى فى مسلسله “شمس الأنصارى”.

2

ياسر جلال فنان متميز وخلوق ومجتهد وأحبه، لكنه يستحق كل النقد عن مسلسل “الفتوة”، ويتحمل المسئولية كاملة، فهو بطل العمل، الذى كان واجبا عليه أن يلملم كل تفاصيله، من أوله حتى آخره .. صدمنى أن الفنان الموهوب ظهر فى المسلسل وكأنه لم يقرأ حرفا واحدا من روايات نجيب محفوظ، ولم يشاهد أفلام الأساتذة الكبار فى شأن الفتونة فريد شوقى، نور الشريف، عزت العلايلى، محمود ياسين، منها مثلا (الشيطان يعظ، المطارد، التوت والنبوت، الحرافيش)، خصوصا أعمال نور الشريف الذى لم يكتف بعمل روايات نجبيب محفوظ فى السينما بل نقلها الى التلفزيون بأجزاء السيرة العاشورية.

ما يدعو للأسف أن ياسر جلال فى كل وسيلة إعلامية ينفى صلة مسلسله الفتوة بحرافيش نجيب محفوظ، فى مشهد يؤكد أن الفنان لم يقرأ حرفا واحدا، ولم يعلم أنه فى المسلسل يردد ما كتبه أديب نوبل فى الرواية، منها مثلا (عندما طالب حسن الجبالى الجميع بالعمل حتى “المشاديد”، وكلفّهم بلم الاتاوة من الأعيان فقط وانفاقها على الفقراء) لم يع ياسر جلال أن هذا كتبه نجيب محفوظ نصا على لسان عاشور الناجى الذى استوحى المؤلف شخصيته واطلق عليها اسم “حسن الجبالى”، إذ يقول محفوظ :”كما ألزم عاشور الناجى كلَّ تابع من أتباعه بعمل يرتزق منه، وبذلك محق البلطجة محقًّا، ولم يفرض الإتاوة إلا على الأعيان والقادرين، لينفقها على الفقراء والعاجزين”، وكذلك مشهد ضرب “عزمى أبو شديد” لـ حسن الجبالى بـ “الخنجر” من ظهره، يشبه كثيرا ضرب “الفللى” مجدى وهبة لـ “سماحة الناجى” نور الشريف، فى فيلم المطارد، وأشاعوا أنه توفى، وهو لم يمت، مثل ما ورد فى المسلسل أيضا.

ظهر ياسر جلال فى الفتوة على غرار مسلسلاته “ظل الرئيس” و”رحيم” و”لمس اكتاف”، هيكله صلب، صدره عريض، عضلاته مفتولة، محدد الذقن والشارب، مرتديا جلبابا ربما هذا هو الاختلاف الوحيد فى الشكل عن مسلسلاته الأخيرة، ياسر لم يلعب مطلقا على الشكل الظاهرى ولا على التمثيل، وفى رأيى إنه لم يحضر للشخصية من الأساس ولعبها كما جاءته على الورق، فخرجت دون المستوى باهتة وضعيفة وحائرة، ولم يصل الى ربع أداء النجوم الكبار فى أعمال سيد الرواية العربية.

3

استنسخ هانى سرحان مؤلف الفتوة شخصية “عاشور الناجى” بطل “الحرافيش” عند نجيب محفوظ، هذا الفتوة الباحث عن العدل، ويمتلك قوة الجسد وقوة الروح والعقل والأخلاق، ومنح هذه الصورة لبطل الفتوة حسن الجبالى وهى الصورة المثلى للفتوة كما يراها نجيب محفوظ فى عاشور الناجى.. هانى سرحان كتب نص فقير جدا وسيناريو وهن ضعيف ركيك، لا يرتقى أن يكون مسلسلا بل كان أفضل تحويله لفيلم سينمائى لا تزيد مدته عن ساعة ونصف.

4

مى عمر لا تستحق سطرا واحدا يكتب عنها فهى ليست ممثلة، وعزائى أن تيسير فهمى فى “التوت والنبوت” حبيبة عاشور الناجى تفوقت عليها تمثيلا وأداء وفنا.

5

أحمد صلاح حسنى، ممثل جيد، لكنه ظلم نفسه بشخصية عزمى، اعتقد أنه لم يشاهد فيلما واحدا من الأفلام التى تناولت الفتونة، وإلا كان تقمص شخصية عادل أدهم “الشبلى” فى فيلم “الشيطان يعظ”، أو “حسونة السبع” حمدى غيث فى “التوت والنبوت”، أفضل من تقمصه شخصية رفاعى الدسوقى لمحمد رمضان فى “الأسطورة”، بتضخيم صوته على الفاضى والمليان وبحلقة عنيه.

6

المخرج حسين المنباوى مجتهد وموهوب وله أعمال ناجحة، لكن هذه المرة فشل باقتدار وامتياز مع مرتبة الشرف، لم أرى فيه روح نيازى مصطفى أو أشرف فهمى أو سمير سيف، أو أى مخرج مبدع قدم روايات نجيب محفوظ بعبقرية،  أشرف فهمى هو من صفق للعبقرى توفيق الدقن عندما قال ايفيهه الشهير :”هى كلها عايزة تبقى فتوات، اومال مين اللى هينضرب”، هل سيخرج جمهور الفتوة بايفيه واحد مثل هذا الايفيه الخالد؟، أو بتعبير نجيب محفوظ على لسان عاشور الناجى “عزت العلايلى” :”أنا بحب العدل اكتر من حبى للحرافيش وبكره الظلم أكتر من كرهى للأعيان”؟، الاجابة بالطبع :لا.

آخر الأخبار