الضريح الموريتاني بالجزائر.. قصة حب وعشق ملك أمازيغي لابنة حاكمة مصر

 الضريح الموريتاني بالجزائر.. قصة حب وعشق ملك أمازيغي لابنة حاكمة مصر
شارك الخبر

تحتضن مدينة تيبازة الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط التي تبعد مسافة 70 كلم غرب الجزائر العاصمة، كنوزا أثرية تتحدث بكل اللغات التي مرّت على هذا المكان واستوطنته، لتترجم بذلك مهد الحضارات الفينيقية والرومانية والبيزنطية والأمازيغية من خلال المعالم التاريخية المذهلة التي تزخر بها المنطقة التي يطلق عليها لؤلؤة الجزائر.

جريدة “سكونك” حطت رحالها بأهم معلم وطني وتراث عالمي مصنف من طرف منظمة اليونيسكو عام 2002 ألا وهو الضريح الملكي الموريتاني الواقع أعلى رأس ربوة بالساحل بمدينة سيدي راشد بولاية تيبازة، يعلو عن سطح البحر بـ261 م ويراه الصيادون والملاحون من البحر و يساعدهم في تنقلاتهم البحرية، ويدعوه السكان المحليون قبر “الرومية”.

الضريح الموريتاني.. قصة حب جمعت الملك يوبا الثاني وابنة كليوباترا ملكة مصر الفرعونية سنة40بعد الميلاد

يحتوي في داخل القبر الضخم والأسطواني الشكل، قصة حب جمعت بين الملك الموريتاني يوبا الثاني وسيليني كليوباترا ابنة كليوباترا ملكة مصر الفرعونية، حيث حزن عليها بعد وفاتها حزنا شديدا إلى درجة أنه قرر أن يخلد ذكراها بضريح بناه لها على شكل تحفة معمارية خالدة تحاكي أهرامات مصر في منطقة سيدي راشد بمحافظة تيبازة.

يروي المؤرخون والباحثون أن أسطورة قصة الحب وقعت في فترة تحالف بين مملكة الفراعنة والموريتانيين بعد أن قام الملك الشيشنق بالتدخل لحماية مصر من غزو جيش الحبشة بطلب من فرعون مصر، وخلال فترة التحالف التي دامت أكثر من ثلاثة قرون شهدت تزاوجا بين العائلتين الملكيتين، غير أن قصة كليوباترا سيليني ويوبا الثاني كانت أكثر قصص الحب قوة التي دوّنها التاريخ عبر صفحاته حتى تحولت إلى أسطورة يجسدها الضريح الموريتاني.

هذا القبر الذي يحمل الكثير من صفات الأهرام، هو معلم تاريخي يحاكي عظمة الحضارة الأمازيغية التي عرفت أوجها في عهد يوبا الثاني الذي يعد من أقوى الملوك والقادة العسكريين لإمبراطورية موريتانيا، الاسم القديم لمنطقة المغرب العربي بين 25 قبل الميلاد و23 ميلادي وكانت عاصمته أيول وهي شرشال حاليا تبعد 90 كلم غرب العاصمة الجزائر، كما عرفت حقبته بالازدهار والرخاء كونه كان ملكا مثقفا.

شموخ وعظمة المعمار يغنيان الزائر والمشاهد عن كتب التاريخ والبحوث الأثرية واختلافاتها

ومن ميزات هذا المعلم الهندسي الجميل، أن لونه يتغير حسب الفصول وحسب ساعات النهار، فهو تارة يميل إلى الاصفرار وتارة يأخذ لونا رماديا أو تعلوه زرقة عندما يحيط به الضباب.

ويميّز هذا الضريح واحدا من الأضرحة الملكية الموريتانية والمواقع الجنائزية لفترة ما قبل الإسلام بوجود أربعة أبواب وهمية ضخمة يصل علوّ الواحد منها إلى ما يقارب سبعة أمتار، يحيط بها إطار بنقوش بارزة تشبه إلى حدّ بعيد شكل الصليب، الأمر الذي جعل بعض الباحثين في علم الآثار يعتقدون أنّه مبنى مسيحي، ومنه جاءت ربما تسميته “قبر الرومية” بمعنى الروماني أو البيزنطي.

أمّا عن المحاولات التي قام بها الباحثون لاكتشاف أسرار هذا القبر، فلعلّ أهمّها تلك التي قام بها عالم الحفريات والآثار الفرنسي أدريان بيربروغر في عام 1865، تنفيذاً لطلب نابليون الثالث، ومن خلالها توصل إلى العثور على باب سفلي ضيّق يقع تحته باب خلفي من الناحية الشرقية وهو ممر سري للضريح.

وعند اجتياز باب القبر، يجد الزائر نفسه في رواق يضطرّه للانحناء عند المشي، تعلو حائطه الأيمن نقوش تمثل صورة أسد ولبؤة، لذا سمّي “بهو الأسود”، وعند اجتياز هذا الرواق، يجد الزائر نفسه مرة أخرى في رواق ثان طوله 141 مترا وعلوّه 2.40 متر، شكله ملتو ويقود مباشرة إلى قلب المبنى الذي تبلغ مساحته 80 مترا مربعا.

ولمعرفة زمن بناء القبر، فإنّ بعض المؤلفات الرومانية القديمة تقول إنّه يعود إلى 40 سنة بعد الميلاد، أي إلى عهد استيلاء الرّومان على مملكة موريتانيا، وهذا حسب ما يذهب إليه بعض المتخصصين في الآثار الرومانية، حيث يؤكدون أنّ الملك يوبا الثاني وزوجته كليوباترا سيليني، هما المشرفات على بنائه، ويستندون في ذلك على أن يوبا الثاني كان ملكا مثقفا يتذوق فن العمارة، وقد جلب إلى عاصمته شرشال تحفاً فنية اشتراها من بلاد اليونان.

أسرار غامضة لم يتوصل إليها الباحثون عن كيفية تشييده

وبخصوص أسرار هذا المعلم الأثري، فإن الأبحاث الأثرية متواصلة لإثبات فرضية دفن كليوبترا من عدمه داخل الضريح الموريتاني الملكي، ولم تجزم بالقطع في هذه القضية فيما يتفق علماء الآثار على تأكيد زيارة كليوبترا للضريح على إعتبار ان الموقع كان يحتضن طقوس تقام على اروح الموتى من العائلة الملكية.

ويقدم المؤرخ الشهير رومانيلي رواية أخرى، حيث يقول ان القبر بني في القرن الخامس أو القرن السادس للميلاد، ويعتقد أن من بناه استلهم شكله الهندسي من القبر المستدير الذي بناه الإمبراطور هدريان في روما. ويرى كثير من الباحثين أن الضريح وجد قبل الاحتلال الروماني، مما يدلل في نظرهم على تطور المجتمع النوميدي اقتصاديا، وقدرته على إبداع فن أصيل بفضل اتصاله بحضارات شمال إفريقيا والمتوسط الأخرى.

الضريح يفتح أبوابه مجددا للزائرين بعد 27 سنة من غلقه

بعد قرابة 27 سنة من غلقه أي سنة 1992 لدواعي أمنية، تم إعادة فتح باب الضريح الموريتاني الملكي مجددا أمام الزوار، لكن دون الولوج إلى داخل الضريح.

وسبق أن كشف المكلف بالإعلام لدى الديوان الوطني لتسيير وإستغلال الأملاك الثقافية المحمية، أن الضريح يعد معلم تاريخي وعالمي يهدف بالدرجة الأولى لتثمين الموروث الأثري الجزائري وإنعاشه و إحيائه مؤكدا أن الزيارات تتم تحت الإشراف المباشر للمديرية التقنية لحماية الأملاك المحمية على إعتبار أن حماية الآثار يبقى المهمة الرئيسية و الأساسية للديوان.

سعاد قبوب 

آخر الأخبار