الأسواق التونسية.. وفرة في العرض وارتفاع في الأسعار

 الأسواق التونسية.. وفرة في العرض وارتفاع في  الأسعار
شارك الخبر

وسط أجواء عامة غلب عليها الاهتمام بالوضع الصحي خاصة بعد الانفجار في أعدد الإصابات  بفيروس كورونا ، وانصرف الجميع للحديث عن هذا الشأن، وما تخفيه الأيام القادمة من جديد في هذا المجال.

تعالت صيحات المواطنين وتذمرا تهم من الارتفاع المشط المسجل في أسعار المواد الاستهلاكية اليومية من خضر وغلال على وجه الخصوص، وغيرها من أنواع المواد التي تمثل حاجة المواطن وأفراد عائلته ضمن “قفته” اليومية أو الأسبوعية.  

فلم يعد الحديث اليوم حول قدرة المواطن على شراء اللحوم الحمراء واللحوم البيضاء والزرقاء بل أصبح التساؤل الأساسي: هل مازال الزوالي قادرا على اقتناء حاجياته من بعض الخضر والغلال لتوفير قوته اليومي؟

فالمستهلك البسيط وخاصة ذو الدخل الضعيف، لم يعد يتذمر لأنه بات يكتفي بالنزر القليل الذي يوفر له قوت يومه بما ان أسعار منتوجات الخضر والغلال لم تشهد هدنة خاصة أسعار الفلفل والطماطم والبطاطا باعتبارها المكونات الأساسية لمعظم الأكلات اليومية.

هذه المرة  عدسة  سكونك الإخبارية تأخذكم إلي السوق البلدي بمنوبة الواقعة شمال العاصمة التونسية  للقيام بجولة داخله حيث رصدنا حركة البيع، وإقبال المواطنين، ومشهد العرض والطلب داخل هذه السوق

الغلاء يرهق جيب المواطن

بضاعة متوفرة وبكميات كافية …  تنوع في المنتوج المعروض بعناية فائقة ..، سلع انتشرت يمنا ويسرا اختلفت من حيث النوع ومن حيث السعر . 10 دنانير (4 دولار ) هو سعر الكيلوغرام من الدقلة، اما  ثمن الكيلوغرام من الخوخ والعنب  تراوح بين  1800 ( 0.700 دولار ) و4000 ( 1.700 دولار ) , كلها أثمان عالية جدا  خاصة في منطقة كمنطقة منوبة منتجة لأغلب هذه الغلال و الخضر  .

 بضاعة تغري الشاري وحين يقترب منها يتراجع قليلا خاصة أمام محلات بيع الغلال وعندها يقرر الشراء من عدمه، البعض يكتفي بقراءة الأسعار والوقوف مندهشا ثم يسبح بخياله مقارنا بين أسعار الماضي والحاضر ولعل صوت البائع يعيده إلى وعيه من فرط الصدمة.

يستغرب من جهته إبراهيم الذي يعيش  أوضاعا اجتماعية صعبة بسبب تدهور قدرته الشرائية في ظل ما شهدتهأسعار المواد الاستهلاكية من زيادات متتالية في بلد يعيش مواجهة مع وباء كورونا زادت من حدة تقلبات الأزمة الاقتصادية الراهنة.

وإبراهيم  موظف حكومي بسيط يعيش مع زوجته وأولاده الثلاثة  في العاصمة بأجر شهري متواضع لا يكفيه لمجابهة متطلبات العيش الكريم، ويشير إلى أنه بالكاد يصل إلى تأمين قوته وقوت عائلته بسبب غلاء الأسعار الذي أرهق كاهله كثيرا.

يقول لسكونك الاخبارية  إنه لا يدخر شيئا من دخله الشهري (قرابة أربعمائة دولار). وكغيره من الموظفين الحكوميين يلجأ إبراهيم في أغلب الأحيان لطلب سلفة على أجره حتى يتسنى له شراء ما يمكنه من مستلزمات الأكل والشرب والكراء.

وهذا الوضع ينطبق في تونس على الكثير من شرائح المجتمع التي تعيش أوضاعا صعبة بسبب دخلها الشهري المحدود، مقابل ارتفاع قياسي بنسبة التضخم المالي.

“االسيد عبد الرزاق  (متقاعد)  لم يخفي أستغربه من ارتفاع ثمن  الخضر الورقية  في مناطق إنتاجه حتى العيد فات” و الطماطم ب 1200مي ( 0.580 دولار ) خلال ذروة إنتاجها وبدون مصاريف نقل أو ما شابه … أما عن السلع المتأتية من سوق الجملة فحدث ولا حرج فالكل مجبرا على الشراء بما يشفى غليل كل المتدخلين في توفير المنتوج ليصل ثمنه أضعافا مضاعفة للأصل”.

كما يتهم السيد عبد الرزاق البقالين في السوق البلدي “يفرضون عليك سلعهم واغلبهم يغشّون” على حد قوله. معاناة يومية للمواطن مع ظاهرة غلاء الأسعار عجزت الحكومة على إيجاد حل جذري لها، ويبقى المواطن هو الضحية .

 أما السيد محسن  (تاجر غلال ) يرجع الغلاء في الأسعار إلى ” تكرش” أصحاب مخازن التجميع الذين يرفعون فيها متى أرادوا وكيف ما يشاءون ويقول “إن المواطن يشكى ويبكى من غلاء الأسعار والتاجر بتذمر من غلاء البضائع .التي يقتنيها ليعرضها للبيع إذن فمعاناة الشعب التونسي معاناة واحدة “

وغير بعيد عن جناح الخضار والغلال نجد جناح السمك وما أدراك ما السمك حيث يقف له كل الناس احتراما وإجلالا على حد السواء وهم يقرؤون أسعاره .

ورغم الأصوات المادحة والمغرية فإن القليل ممن يستجيبون، فحتى السردينة تمردت لتعلن عن ارتفاع سعرها .أما عمليات الغش في الأسماك فهي من البديهيات وكثيرا ما تنطلي على المستهلكين للأسماك فلا يكفي غلاؤها بل كذلك عدم صلاحيتها، التجار يتظاهرون باستقدامها للتوّ من المدن الساحلية وإنزالها من العربات وهي في الحقيقة بضاعة أمس أو اول أمس .

تقول  السيدة سناء ” ان القفة اليومية العادية المتكونة من خضر وغلال ولحوم مع كمية قليلة من الأسماك ستتكلف على رب الأسرة بين 40 ( 14.370 دولار ) و  50 دينارا ( 18 دولار ) أي بين  1000 ( 360 دولار )و1200 د ( 430 دولار)  في شهر وهو ما يدفعني وزوجي للدخول في «الروج»  خاصة بعد مصاريف عيد الاضحى  و العودة المدرسية.”

وتنقلنا غير بعيد عن جناح الأسماك لنجد أنفسنا أمام بضاعة عنيدة وصعبة المراس وهي اللحوم . ورغم أن الجهة منتجة بامتياز لأنواع اللحوم الحمراء والبيضاء ، فان  المواطن ضعيف الدخل لا يملك إلا الانحناء أمام أسعارها  . فلحم العلوش فقد استقر عند 25 دينارا ( 10 دولار )  والهبرة 18 دينارا ( 6.5 دولار ) ، أصوات الباعة تعالت من هنا وهناك مشهرة بأسعار بضاعتهم وداعيةً الزبائن إلى الإقبال عليها.

أحلام (ربة بيت) همست إلينا قائلة “منذ ثلاثة أشهر لم أذق وأفراد أسرتي أي نوع من أنواع اللحوم الا هذه الايام .بمناسبة عيد الاضحى  حتى الخضر يبدو أنها تغار من اللحوم والأسماك فالتحقت بها ولكن لنا الله نحن الفقراء “

وهنا يعتبر حسان (جزار) ” لا دخل للقصابين في هذه الأسعار الخيالية وأنهم أول المتضررين لأن الحرفاء هجروا محلاتهم بلا عودة ”  . أما  منصف  ( أحد القصابين أيضا) اعتبر “ان  التاجر هو ضحية هذا الغلاء أيضاً لأن هامش .الربح قد تراجع نتيجة لتراجع الإقبال على اللحم خاصة هذه الايام بعد عيد الاضحى “

منى (موظفة ) صرخت ” متى تتحرك منظمة الدفاع عن المستهلك للدفاع عن الزوالي؟ ولماذا لم تتخذ مواقف جريئة وجدية حتى تضمن ثقة المواطن من جهة وتثبت دورها كمنظمة تدافع عن المستهلك وتخرج من جلبابها الذي يقتصر دورها على التنديد والشجب.”

ففي وقت شهدت فيه الأسعار ارتفاعا جنونيا في مختلف المنتوجات الاستهلاكية وكثرت فيه تشيكيات المستهلك من ارتفاع الأسعار وكثرة التجاوزات، وتزايدت فيه حاجته لتدخل منظمة الدفاع عن المستهلك، نرى ان تدخل المنظمة لحل الأزمات بقي محتشما ان لم نقل محدودا.

ولم نبحث عن الأسباب طويلا لأن الجواب واضحا والأوضح أن الجميع يعرفون أن المتسبب الوحيد الذي يقف وراء ارتفاع الأسعار هم الوسطاء سواء المتواجدون بسوق الجملة أو التجارة الموازية التي تنشط ليلا وتوزع بضائعها على .تجار التفصيل

اضطراب مسالك التوزيع وراء غلاء الأسعار

هذا ما ذهب إليه بعض المواطنين وكذلك بعض صغار التجار الذين اعتبر وان تردى الأوضاع والمشاكل التي تسود البلاد حالت دون تزويد الأسواق بالخضر والغلال بشكل منتظم وهو ما شجع أصحاب رؤوس الأموال “القشارة” على استغلال الوضع والتحكم في أسعار المواد الأساسية من خضر وغلال ولحوم وأسماك بالإضافة إلى ارتفاع أسعار البيع عند الإنتاج .

.يقول احمد  (تاجر خضر) “أن انخرام منظومة التوزيع من شانه أن يعمق هواة غلاء الأسعار”

.أما أحد المراقبين الاقتصادين بمنوبة  فيقول  “إن مصالح المراقبة يقف دورها في مراقبة مسالك التوزيع و أسعار “

وشدد المسلك القانونيّ المفترض يقضي بخروج السّلع من الفلّاح أو المنتج  مباشرة إلى أسواق الجملة أين تباع أوّلا إلى باعة التّفصيل والمزوّدين وكبار المستهلكين وتخضع إلى قاعدة العرض والطّلب ثمّ تباع ثانية من التّجّار وباعة التّفصيل إلى المستهلك مع إضافة هامش من الرّبح محدّد من وزارة التّجارة.

” وأضاف محدثنا ” لكن للأسف لا يقع احترام هذا المسلك إلاّ بنسبة 30% فقط بينما تتّخذ 70% من المنتجات المسالك الموازية غير الخاضعة كلّيّا لرقابة الدّولة “

ان تزايد نقاط البيع بالجملة غير القانونيّة ونقص المراقبين الاقتصاديّين وعدم تمكينهم من صلاحيّات زجريّة تحدّ من التّحيّل وغلاء المشاتل والأسمدة والأدوية والمعدّات الّتي أثقلت كاهل المنتج ورفّعت سعر الكلفة .

“لو كان وباء كورونا للبيع و الربح لا باعوه” هكذا قالت جميلة  عاملة فلاحية ظهرت علامات البؤس والتعب على ملامحها  ، تعاني الفقر و الخصاصة و تفتقد إلى كل المواد الأساسية في منزلها ، و تعمل رغم كبر سنها واصابتها بأمراض مزمنة  لتوفير الأمن الغذائي للمحتكرين “مجرمي الحرب” و للشعب التونسي في حين لا يتوفر عندها و لو  كعبة بطاطه على حد تعبيرها

“الدنيا غالية الأسعار في فرنسا أقل من الأسعار في تونس  هكذا عبرت نزيهة مقيمة بباريس و في زيارة  لتونس

“إن ارتفاع الأسعار يعود إلى غياب المراقبة وتراجع دور منظمة الدفاع عن المستهلك لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار”

وبما ان المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك تهتم بالمواطن التونسي المستهلك في جميع القطاعات وتسعى لحمايته والدفاع عن مصالحه. كما تركز أنشطتها على ترشيد المستهلك وتوعيته بكل ما يتعلق بسلامته المادية والمعنوية فتعلقت رغبتنا باكتشاف التشيكيات المرفوعة من قبل المستهلكين لمنظمتهم

دور المنظمة في ترشيد الاستهلاك

” تقوم المنظمة بالعديد من الحملات، إذ تتابع تزويد الأسواق التونسية والمخالفات الاقتصادية والصحية المرتكبة وتستمع لشكاوى المواطنين وتحاول وفق ما يسمح به القانون التدخل لتسوية الإشكاليات قبل الالتجاء للقضاء. كما قادت المنظمة حملات مقاطعة للعديد من المنتجات لأسباب مختلفة على علاقة خاصة بسعر المنتج أو بجودته واعتبر هذا النشاط سابقة في تونس . اما التشيكيات المسجلة فإنها تتعلق بالأساس بالترفيع في أسعار الخضر خاصة الخضر الورقية بمناسبة عيد الاضحى وفي نقص المواد المدعمة ”  هذا ما أفادتنا به  رئيسة المكتب الجهوي للمنظمة الدفاع عن المستهلك بمنوبة

تكثيف المراقبة الاقتصادية

قامت الإدارة الجهوية للتجارة بمنوبة في المدة الاخيرة   بدعم فرق المراقبة الاقتصادية لتغطية كل أسواق الجهة البلدية والأسبوعية  من اجل التثبت من جودة المواد الغذائية وطرق نقلها وترويجها والتصدي لعمليات الاحتكار والترفيع في الأسعار.

وقد سجلت الإدارة الجهوية للتجارة  بمنوبة  اثناء  حملات  للمراقبة الاقتصادية التي استهدفت خاصة باعة الخضر والغلال  والمنتجات الحساسة والمدعمة  والدواجن بمختلف مناطق الولاية.عدة مخالفات

يقول عنها  احدى المراقبين  الاقتصادين ” انها كثيرة وهي مخالفات عادية كانتهاء مدة الصلاحية وعدم إشهار الأسعار والبيع المشروط خاصة في بعض الأنواع من الخضر ب50 مخالفة ; الأسماك ب35 مخالفة ;  انشطة  تجارية مختلفة  وتوزعت على الترفيع والزيادة في الأسعار ب159 مخالفة ثم الفتورة ب47 مخالفة  “

لئن أجمعت آراء المواطن على غلاء الأسعار في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد وما يعانيه التجار من مصاريف شتى.ذ

فان دور مختلف مكونات المجتمع المدني (مراقبة اقتصادية، منظمة الدفاع عن المستهلك …) يبقى محوريا لحماية المواطن من غول ارتفاع الأسعار.

كما أن وعي المواطن هو المحدد أحيانا على الأسعار ذلك أن اللهفة على شراء مختلف المواد الاستهلاكية من شأنه أن يضاعف من عمليات الاحتكار ويساهم في غلائها.

أمراض تونس عديدة ولا يسلم منها قطاع واحد ولكن العلاج لا يكون بقتل المريض أو ببتر احد أعضائه ..الحل الوحيد في معالجة الأعراض الأبرز هو العمل على تقوية الجسد والمعنويات أي العمل والعمل فالعمل

جيهان غديرة مراسلة سكونك

آخر الأخبار