مصر.. سر خبيئة الدير البحري يعود للأذهان مع موكب نقل المومياوات المنتظر

 مصر.. سر خبيئة الدير البحري يعود للأذهان مع موكب نقل المومياوات المنتظر
شارك الخبر

آية نصر الدين

مع إعلان وزارة السياحة والآثار المصرية عن الحدث الآثرى المرتقب عالميًا على أرض مصر، سعت العديد من وسائل الإعلام المصرية والعالمية لتقديم العديد من المتابعات وسرد القصص حول هذا الحدث الأسطوري، ليتحصل القارئ على حكايات تاريخية مليئة بالسحر والغموض الذي يحيط دائمًا بالحضارة الفرعونية القديمة، ويعد نقل 22 مومياء من المتحف المصري بالتحرير إلى مكان عرضهم الدائم بالمتحف القومي للحضارة المصرية، حدثًا مثيرًا للفضول لمعرفة القصص وراء هؤلاء الملوك والمومياوات، خاصة قصة اكتشافهم المثيرة، حيث كانت دائمًا محط أنظار الكتاب والباحثين، ومن هذه القصص قصة “خبيئة الدير البحري” والذى يقع أعلى معبد حتشبسوت وعلى يساره بغـرب مدينة الأقصر، وتعتبر من أكبر الاكتشافات الأثرية العظيمة سنة 1881 ميلادية، والتي لا يضاهيها عظمة بعد ذلك التاريخ إلا اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، ومنها استوحى شادي عبد السلام  فيلمه “المومياء”، الذي يعد من أهم أفلام السينما المصرية.

فالصدفة وحدها هي التي قادت الأشقاء لاكتشاف خبيئة الدير البحري، حيث تبدأ قصة اكتشاف الخبيئة سنة 1871 ميلادية، حيث كان إثنين من الإخوة يتحدثون وهم جالسون على حجر في الدير البحري، وعلى مقربة منهم كان هناك بعض الماعز تبحث عن شئ تأكله داخل الأرض، وفجأة ابتعدت واحدة من الماعز لترعى ولكن الماعز ابتعدت أكثر فأكثر، فقام أحدهما ليتبعها، فخافت الماعز واتجهت نحو الصخور وفي النهاية اختفت، وعندما وصل الأخ إلى مكان اختفائها وجد أن هناك تجويف في الأرض، وجذب انتباهه سريعًا مدخل البئر فمال عليه، فهاله وجود بئر في هذا المكان وما يعنيه ذلك، فنزل جريًا يخبر أخيه بما شاهده، واقترب الأخوين من البئر حاملين معهم مصباحين وحبل حيث كان الليل قد خيم على المكان، وألقى أحدهما بإحدى طرفي الحبل إلي أخيه الذى ربطه بصخرة، فقام محمد في ذات الوقت بربطه حول خصره، وبدأ الأخ في النزول في البئر تحت ضوء المصباح الذي كان يحمله أخيه الذي ظل واقفًا بالأعلى، وصاح بأن البئر عميقة جدًا (10 متر تقريبا)، وطلب منه أخوه الإسراع بإطالة الحبل لكي ينزل وهو يشعر بخوف كبير من المكان المجهول، وعندما لامست رجليه قاع البئر، وجد الماعز، ولكنه وجد أيضًا مدخلًا إلى ممر منحوتًا في الصخر غير مزين وبدأ في النزول، وفجأة اصطدم بشئ يتضح بعد ذلك بفضل نور شعلة المصباح أنه تابوت ملون بالأبيض والأصفر، وبالقرب منه وجد تابوتًا ثانيًا ثم ثالثًا، وبالقرب من هذه التوابيت التي كانت تصطف الأرض كانت هناك تماثيل وأواني حفظ الأحشاء وزهريات من البرونز وبعض المشغولات الذهبية، لم يصدق الأخ نفسه، فقد اكتشف كنزًا كبيرًا مثل مغارة علي بابا .

ولقد ظل سر اكتشاف الخبيئة سنة 1871 حتى سنة 1881 ينحصر اكتشافها في محيط العائلة المكتشفة له لمدة عشر سنوات، حيث كانوا يستخرجوا منها ما خف وزنه وغلى ثمنه غير مهتمين وعابئين بالمومياوات، و كان في ذلك الوقت لا قيمة لها إلا بما تغطيها بالذهب والأحجار الكريمة.

وهكذا بدأت عملية النهب المنظم لخبيئة الدير البحري، واستمرت لشهور طويلة، تدفقت الأموال على الأسرة الفقيرة، وكان للإخوة النصيب الأكبر، ولم يشك حراس الآثار بالأقصر في شيء، ولكن الشك جاء من مكان بعيد، فقد كان “جاستون ماسبيرو” مدير الآثار المصرية يقضي الصيف كعادته في أوروبا، وفوجئ بظهور كمية كبيرة من الحلى الأثرية النادرة في الأسواق وفي واجهات المتاحف، كانت قطعًا فريدة من نوعها، لا يوجد لها نظير إلا في الأساطير القديمة، حين تفحص نقوشها وجدها تنتمي للكثير من الملوك والملكات، عالية القيمة بطريقة مدهشة، وأدرك ماسبيرو أن هناك مقبرة أو أكثر قد تم اكتشافها سرًا، عاد إلى مصر سريعًا، لكنه لم يذهب إلى الأقصر حتى لا ينتبه اللصوص لوجوده، قرر أن يرسل مساعده “أميل بروجش” أو برغش باشا دون صفة رسمية، حتى أن المسئولين عن حماية الآثار في الأقصر أنفسهم لم يكن يعرفون بوجوده، مجرد سائح يهوى جمع الآثار ويدفع أي ثمن في مقابلها، ولفت هذا أنظار التجار واللصوص في الوقت نفسه، ولكنه ظل يتجول على مدى شهر في البر الغربي دون ان يصل لشيء، ثم أوقعته المصادفة على واحد من فلاحي “الجرنة”، عرض عليه عدة لفائف أصلية من البردى، ودفع له “بروجش” ثمنًا مجزيًا، ولكنه طلب منه شيئا أكثر قيمة حتى يدفع له أكثر، كانت الحلي الثمينة تحت أمرة الإخوين عبد الرسول، ولكن الفلاح ظفر بتمثال جنائزي استطاع أن يخبئه في ثيابه وهو يتجول معهما في السرداب، كان هذا هو الخيط الذي يبحث عنه “بروجش” ، وقادته تحرياته إلى الحبل السري الذي يربط بين الأخوين عبد الرسول والقنصل يوسف آغا والذي عن طريقه تتدفق القطع الأثرية إلى أوربا، المشكلة أنه لم يكن يستطيع القبض على الأخير بسبب حصانته الدبلوماسية، ولكن بمساعدة حاكم قنا “داود باشا” استطاع القبض على الأخوين عبد الرسول، عرض الأخوين لشتى صنوف التعذيب ليعترفا، أخضع كل رجال القرية للتحقيق، ولكنهما شهدا في صالح الأخوين، وأكتشف ان الاخ الأصغر يمكن أن يكون هو الحلقة الأضعف، فأفرج عن الأكبر وابقاه، ومارس ضده دورة اخرى من التعذيب، لدرجة أنه كان يطلق النار تحت قدميه، ولكنه الأخ الأصغر ظل صامدا، وأفرج عنه أخيرا ولكنه خرج من السجن محطما ، وكان غريبا أن يرى اخوه الأكبر وبقية اهل القرية يمارسون رحلات السرقة بشكل عادي، لا أحد يقدر تضحيته ولا الألم الذي تحمله حتى لا يشي بأحد منهم، وكنوع من التعويض طلب من أخيه حصة أكبر من عائد البيع، ولكن الأكبر رفض، فالعيون تترصدهما والدخل قد انخفض كثيرا، واستعر الخلاف عنيفا بين الأخوين، ووجد الأصغر نفسه يسير بقدميه إلى قنا

وأنفضح سر الخبيئة أخيرا، وتدفقت قوات الأمن على المكان يتقدمهم “بروجش” ، هبط إلى السرداب الصخري ليجد التوابيت متراصة، محفور على كل غطاء اسم الملك الذي يرقد بداخله، أعظم ملوك التاريخ ، أحمس محرر مصر من الهكسوس، رمسيس الثاني مؤسس أكبر امبراطورية، تحتمس الفرعون الاسطورة، سيتي الأول صاحب المسلات، وظل بروجش مذهولا، يرى الملوك الذين كانوا مجرد نقوش على الجدران وقد تجسدوا أمامهم، كانت المقبرة تخص الفرعون أمنحوتب الثاني، ولكن الكهنة جمعوا كل هذه الأجساد في مقبرته خوفا من اقتحام اللصوص، خاصة في زمن الاضطراب عندما خرج ابنه اخناتون عن دين اسلافه وتوجه للشمس كإله أوحد، أخرج العمال التوابيت من خلال الفتحة الضيقة، ورست دهبية الحكومة “المنشية” في النهر أمام الدير البحري وتم نقل التوابيت إليها في مشهد جنائزي مهيب، تراصت أجساد الملوك بجانب بعضها ، وحين أطلقت الذهبية صفارة الرحيل ارتفعت أصوات العويل والبكاء، كانوا يودعون ملوكهم ومصدر رزقهم في الوقت نفسه، وواصلت الذهبية طريقها للقاهرة إلى المتحف المصري.

آخر الأخبار