رأي:جلّ المغاربة لديهم جرح سببه الأنظمة الفرنسية ونخبها

 رأي:جلّ المغاربة لديهم جرح سببه الأنظمة الفرنسية ونخبها
شارك الخبر

اسماعيل عزام

جلّ المغاربة لديهم جرح سببه الأنظمة الفرنسية ونخبها، أجبروا في المدارس على تعلّم لغتها، ورغم أنهم كبروا والكثير منهم لا ينطقونها كما يجب، إلّا أنها فرضت عليهم أثناء البحث عن العمل، وكم من مغربي ضاعت فرصته في أن يتميز في مجال ما، لأنه لا ينطق الفرنسية كالفرنسيين.

النظام الفرنسي الذي دافع رسميا دائما عن استمرار الظلم في بلدنا، وتستر على كل ما وقع فيه منذ عقود من انتهاكات لحقوق الإنسان، حفاظا على مصالحه. وفرنسا التي نسجت نخبها زواج مصالح مع نخب في المغرب، النظام الفرنسي الذي استعمر ثقافتنا قبل أرضنا.

اقتصادنا الذي دخلته النخب الفرنسية، فلا هو صار مغربياً ولا حتى صار فرنسيا، وكم من مبرّر تريده
لتوضيح كم النظام الفرنسي ممقوت في البلد؟.

حملة المقاطعة المنتشرة تبدأ من هذه الصورة الذهنية السيئة عن فرنسا، لكن ومع ذلك أجد نفسي غير متفق كثيرا مع حملة المقاطعة.

طبعا أرفض الرسوم المسيئة، وطبعا أرفض السخرية من الدين، تصريحات ماكرون مستفزة وتعبّر عن
رئيس مهزوز لا يحسب جيدا كلماته، رئيس أخفق في ملفات داخلية كثيرة فحاول الركوب على جريمة مقتل المدرس، وهي جريمة إرهابية لا يمكن تبريرها ولا التعاطف أبدا مع مقترفها.

لكن في الآن ذاته، الشركات الفرنسية فيها الكثير من العمال المغاربة وغير المغاربة من الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما يجري. ممّن لم يجدوا خيارا في بلد لا يصنع تقريباً أيّ تقريبا اللهم معامل تعود في الأصل لشركات فرنسية.

هناك شركات مغربية تعمل مع شركات فرنسية وأيّ مقاطعة تحدث، في بلد استهلاكي لا يصنع تقريبا
أيّ شيء، هناك آلاف الأسر التي ستتضرر منها دون أن يكون لها أيّ بديل.

هذا كان موقفي عندما رفع البعض شعار محاربة سلع تركية بذريعة أن “بيم” يهدّد البقال، والحال أن مهنة البقال يهددها الزمن لأن ثقافة انتظار صاحب محل أن يمدك بما تحتاجه آخذة في الانقراض.

الهم الأكبر اقتصاديا أن نصنع اقتصادنا وأن تتحول سلع الغير عندما إلى مجرد بدائل تتنافس مع سلعنا في الجودة، لا أن نرفع في كل مرة شعار مقاطعة بضائع الآخرين لنستهلك بضائع أخرى مصنعة من دول أخرى، أو لأننا ندري أننا لا نشتري أصلا هذه البضائع لأنها ماركاتغالية الثمن كما هو الأمر مع سلع فرنسية كثيرة.

سيرّد قائل: وأنت بهذا المعنى ستكون حتى ضد المقاطعة التي جرت في المغرب عام 2018؟

أرد أن السياق مختلف تماما، تلك كانت مقاطعة لمحاربة الغلاء، رغم تحفظي على بعض شعاراتها وطريقة اختيار بعض الشركات، إلّا أن الهدف الأصلي منها هو وقف الاحتكار وخفض الأسعار ووقف زواج السلطة بالثروة، وليس تسريح الناس.

طبعا المقاطعة اختيار، ومن حق أي كان، وأحترم كلّ من يدعو لها. لكن لها تداعيات كبيرة، هناك الملايين من المهاجرين في فرنسا، ورفع التوتر لن يساعدهم في أيّ شيء بل يزيد من الاحتقان.

هناك طرق أخرى بدون تداعيات جانبية لتبليغ الغضب، أولها العمل الديبلوماسي المشترك بين الدول الإسلامية وحملات احتجاجية على الانترنت والتعبير السلمي عن الرأي وإيصال رسالة لماكرون
بأن عليه الاعتذار عما قاله.

من السهل الدعوة لمقاطعة البضائع الفرنسية، لأن السوق ممتلئ ببدائل عنها ولأن الكثير منها لا نشتريه أصلا، لكن ما قد يحدث أن هذه الشركات الفرنسية قد تبحث عن أسواق أخرى، الأكيد أنها ستضرر، الأكيد أن فرنسا ستضرّر، لكن الآلاف من الناس الذين يشجبون بدورهم تلك الرسومات سيتضررون، كما أنني لا أرى سببا يجعل شركة ما تتحمل وزر حاكم ما، ولم تصدر أيّ موقف يدعمه.

 لا أظن أنه سيكون هناك شخص مبتهج بقطع رزق شخص آخر فقط يعمل في شركة، فقط لأن هذه الشركة تأسست ذات يوم في بلد، قام حاكمه اليوم بتصرف أرعن.

وللعلم، لا أعمل في شركة فرنسية وليس لي قريب يعمل فيها، درءاً لكل اتهام جاهز، وأكبر أحلامي أن يستقل المغرب ذات يوم نهائيا عن أيّ وجود فرنسي أو أجنبي.

المقالات تعبر عن أراء كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة