حقائق خاصة

 حقائق خاصة

أحمد المسلمانى

شارك الخبر

يروى الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما: فى أثناء الثورة فى مصر (2011) قام شخص بتجربة مثيرة. أخذ نماذج لحسابات ثلاثة أشخاص على فيس بوك: محافظ وليبرالى ووسطى، وتعامل باسمهم على محرك البحث جوجل. ولمّا جرى البحث عن الثورة المصرية: الشخص المحافظ ظهرت له فى البحث على المحرّك «الإخوان المسلمون»، والشخص الليبرالى ظهر له «ميدان التحرير»، والشخص الوسطى ظهرت له «أماكن لقضاء العطلة على النيل».

يعلّق الرئيس أوباما: طبقاً لانحيازاتك يتم إرسالك عبر وسائل التواصل الاجتماعى وجوجل إلى المكان المناسب. ومع مرور الوقت يتم فرض ذلك عليك أكثر فأكثر. ثم يقول: هكذا تسير الأمور فى «فيس بوك» الذى يُعد المصدر الرئيسى للأخبار. وهكذا -أيضاً- يعيش الناس فى «فقّاعة»، وهذا جزء من أسباب الاستقطاب السياسى الكبير الموجود حالياً فى أمريكا.

كان ردُّ المذيع الأمريكى «ديفيد ليترمان» الذى حاور «أوباما» عبر شبكة نيتفليكس: إن هذه الأداة ذات القيمة الكبيرة أصبحت تعمل ضدّنا.

لقد تأملتُ ذلك القلق الكبير لدى الرئيس الأمريكى الأسبق بشأن التوافق الوطنى فى الولايات المتحدة، وكيف أن «فيس بوك» وغيره ساهم فى تعميق الخلاف، وتأكيد الانقسام، وقطع الطريق بين كل فريق والفريق الآخر، حيث لا يقرأ الفريق إلا لأعضائه، ولا يرى إلا نفسه، وبحيث يشعر أعضاء الفريق أنهم هم الجماهير العريضة، وأنهم وحدهم يحوزون المنطق السليم والرسالة النبيلة، وغيرهم لا يملكون ذلك.

إذا كان ذلك حاصلاً فى الحالة الأمريكية التى تعبّر عن القوة الأولى فى العالم، فما بالنا بالمجتمعات التى تواجه تحديات سياسية واقتصادية واسعة. إن توصيف الرئيس أوباما يشرح إلى حد كبير حالة الانغلاق التى عليها أعضاء الجماعات الدينية المتطرفة، التى انفصلت عن الواقع والمجتمع، وراحت تجعل من الفقاعة التى تحيا داخلها عالماً كاملاً، ومشروعاً شاملاً!

إن الأمر لا يتعلّق بحرية الرأى، ذلك أن حماية الوطن، وصوْن الاستقلال، واحترام الآخر، وعدم اللجوء إلى العنف لفرض الأيديولوجيا والرؤى الضيقة.. هو ما يجب أن يكون.

ليس من المنطق أن تكون الأسس الوطنية أرجوحة للرأى والرأى الآخر، كما لا يجوز أن يكون الإيمان بحماية الأمن القومى، ودعم دور الجيش الوطنى ومؤسسات الدولة جزءاً من المعركة السياسية، أو الخلاف فى الرأى. إنه ببساطة ليس خلافاً فى الرأى، ولا يمكن توصيفه كذلك.

فى الحديث نفسه يروى الرئيس أوباما قصة قصيرة حدثت فى مجلس الشيوخ الأمريكى.. يقول: كان سيناتور نيويورك «دانييل باتريك مونيهان» يناقش أحد زملائه الأقل قدرة. قال الزميل غاضباً: حسناً سيناتور مونيهان: هذا هو رأيك أنت فقط، وأنا لى رأى مختلف. ردّ مونيهان: سيدى.. من حقك أن يكون لك رأيك الخاص، وليس من حقك أن تكون لك حقائقك الخاصة.

ثم واصل أوباما: فى أمريكا الآن عالمان مختلفان تماماً من المعلومات، إنك إذا كنت تشاهد محطة «فوكس نيوز».. فأنت تعيش فى كوكب آخر.

إذا كانت الولايات المتحدة بعد الرئيس ترامب قد صارت -بحسب الرئيس أوباما- عالميْن مختلفيْن، فإن ما حدث فى العالم العربى فى العقد الفائت جعل هناك عوالم عديدة. وفى الحالة السورية والليبية كانت هناك فى بعض الأوقات قرابة ألف جيش خاص يتحدث عن ألف رؤية مستقلة، وألف عالم مختلف.

إن وسائل التواصل الاجتماعى بدورها والتى خلقت فقاعات أيديولوجية يبدو أعضاؤها مثل ثيران يدورون حول ساقية وهم معصوبو الأعين، يتصورون أنهم يمضون إلى الأمام منذ بدأوا.. غير أنهم فى الواقع لم يبرحوا أماكنهم.

إن «فقاعات الثيران الأيديولوجية» قد أصبحت حصوناً قوية، ثم إنها تتقوى كل يوم، وهنا مكمن الخطر. الدور الصعب الذى يتحتم القيام به.. هو الغزو المعرفى لتلك الحصون الافتراضية. يجب إذابة الفقاعات، وحماية العقل.. وصون النسيج الوطنى.

عن جريدة الوطن

آخر الأخبار