أمريكا ضدّ أمريكا

 أمريكا ضدّ أمريكا

أحمد المسلمانى

شارك الخبر

أحمد المسلماني

نقلا عن جريدة الوطن: قال الرئيس جورج دبليو بوش إنه لن ينتخب الرئيس دونالد ترامب.. رغم أن الاثنين ينتميان إلى الحزب الجمهورى. وقال وزير الخارجية ورئيس الأركان الأسبق كولن باول إنه لن ينتخب ترامب، وينتمى «باول» أيضاً للحزب الجمهورى. وفى مظاهرات واشنطن ضد التمييز العرقى، التى كانت عملياً ضد الرئيس ترامب، شارك السيناتور «ميت رومنى» فى المظاهرات وهاجم ترامب، وهو المرشح الرئاسى الجمهورى السابق. وفى مواقع أخرى قاد نواب جمهوريون مظاهرات ناقدة للرئيس ترامب. لم يتوقف مشهد الانقسام الأمريكى إذن عند معادلة «أمريكا ضد أمريكا».. بل لقد توّلد إلى جواره «تقسيم داخل التقسيم» حيث الجمهوريون ضد الجمهوريين!

داخل «منظومة التكسير» الجارية، هبط الخطاب السياسى الأمريكى إلى مستوى عالم ثالثى بامتياز. فالخشونة والعنف، والحطّ من قدر الخصوم، والاتهامات المتبادلة مع أول لحظة خلاف.. باتت سمةً أساسية فى المشهد الأمريكى الجديد.

حين ظهر «ميت رومنى» فى المظاهرات، قال ترامب: «إن ميت رومنى أحمق، ومرشح رئاسى فاشل».. «اذهب إلى يوتا وانظر إلى أسهمك التى تراجعت هناك». ولمّا قال «كولن باول» إنه سوف يعطى صوته للمرشح الديمقراطى «جو بايدن»، قال ترامب: «كان باول يقول.. إن العراق كانت لديه أسلحة دمار شامل، لم تكن لديه أسلحة دمار شامل، لكننا ذهبنا للحرب.. كان باول مسئولاً عن تورطنا فى حروب الشرق الأوسط الكارثية». ولمّا انتقد ترامب أداء عمدة سياتل: «إرهابيون محليون استولوا على مدينة سياتل».. «يتم تشغيلهم من قبل اليسار الديمقراطى المتطرف».. ردّت عمدة سياتل: عُد إلى القبو الذى كنتَ فيه!

يتوازى مع ذلك الخطاب نجاح متظاهرين فوضويين فى النيْل من هيْبة الولايات المتحدة عبر الإعلان الرمزى عن استقلال منطقة فى شرق سياتل. وكذلك موافقة مجلس مدينة مينيابوليس بأغلبية (9) من (13) على تفكيك الشرطة، والبحث عن نموذج آخر لتحقيق الأمن!

بعيداً عن يوميات السياسة، فقد نجحت مظاهرات أمريكا 2020 نجاحاً كبيراً، ذلك أنها مظاهرات ثقافية وفكرية بالأساس. ولقد نجح ذلك الجانب على نحو مذهل، حيث لم يكن متوقعاً حدوثه فى عشرة أيام. نجحت المظاهرات فى الحطِّ من شأن التمييز العرقى، وفى إلحاق العار بكل من يحتقر السود. ثم إنها تجاوزت إلى تصحيح التاريخ، وإعادة كتابة المائتى عام الأخيرة من جديد. اندلعت المظاهرات فى لندن وروما، وفى سيدنى وباريس، وحسب صحيفة ليبراسيون «غضب على الكرة الأرضية.. تحرّك لا سابق له». لقد جرى هدم تماثيل لرموز كبيرة فى أمريكا وأوروبا.. لأنها ترمز للعبودية وتأييد تجارة الرقيق. جرى إسقاط تمثال فى مدينة بريستول البريطانية لتاجر رقيق من القرن السابع عشر. وطالب طلاب جامعة إكسفورد بإزالة تمثال «سيسل رودس» ذلك الرمز الاستعمارى الذى كوّن ثروة من المناجم.. عبر النهب والعبودية ثم قدم منحة رودس الجامعية لإكسفورد. أسّس طلاب الجامعة الشهيرة مجموعةً باسم «رودس يجب أن يسقط»، ورفعوا فى مظاهراتهم لافتة «رودس.. أنتَ التالى». وفى اسكتلندا تصاعدت دعوات إزالة تمثال «هنرى دونداس» السياسى الذى عاش فى القرن الثامن عشر، وكان سبباً فى تأخير «إلغاء العبودية» خمسة عشر عاماً. حتى «ونستون تشرشل» جرى تلطيخ تمثال له، ورفعت المظاهرات لافتة «كان عنصرياً».

كانت هناك مراجعات فكرية غير مسبوقة.. توازى هذه الأحداث. وكان هناك من يبدون الأسف بوضوح على أن ذلك حدث ذات يوم، وأنه لا يزال إلى اليوم. قال عمدة لندن «صادق خان»: «إنَّهُ لأمرٌ غير مريح أن تدين أمتنا ومدينتنا بجزءٍ كبيرٍ من ثروتها إلى دورها فى تجارة الرقيق». وقالت رئيسة مدينة أدنبره: «لن أشعر بالخسارة إذا تمت إزالة تمثال هنرى دونداس». ولمّا قامت جامعة «ليفربول» بإزالة اسم رئيس الوزراء البريطانى الأسبق «ويليام جلادستون» بسبب آرائه التى ساندت العبودية، قالت المتحدثة باسم الجامعة: «نشارك شعور مدينتنا بالعار لأن ازدهارها قد بُنى بشكل كبير على تجارة العبيد».

لقد جرت مراجعة فكرية أكثر صخباً فى الولايات المتحدة، فتمت إزالة تماثيل رموز العبودية فى الجنوب الأمريكى. وقالت «نانسى بيلوسى» رئيسة مجلس النواب: يجب إزالة (11) تمثالاً من مبنى الكونجرس تمثل قادة ورموز الكونفيدرالية.

فى الستينات من القرن التاسع عشر انفصل الجنوب الأمريكى، وشكّل «الولايات الكونفيدرالية الأمريكية». وقد خاضَ الشمال الحرب الأهلية من أجل استعادة وحدة أمريكا. كانت الولايات الكونفيدرالية «الجنوبية» مع العبوديّة، ولما انهزمت أمام الشمال، تم إلغاء تجارة الرقيق، وتحرير العبيد. ولكنّ الجنوب قام بتخليد رموز العبودية باعتبارهم أبطالاً. ولقد تسمّت بأسمائهم قواعد عسكرية ومنشآت وشوارع وميادين، لكن مظاهرات 2020 نجحت فى الإطاحة برموز الكونفيدرالية المؤيدين للعبودية من مقاعدهم التاريخية، والحطّ من شأنهم، وتدمير تماثيلهم، وإلحاق العار بكل من يدافع عنهم. وعلى الرغم من اعتراض الرئيس ترامب، أعلن البنتاجون استعداده لتغيير أسماء القواعد العسكرية الأمريكية التى تحمل أسماءهم. وهكذا من الميادين والجامعات، إلى الكونجرس والقواعد العسكرية.. جرتْ أكبر عملية تعقُّب حضاريّة لفلول الحرب الأهلية. وهذا هو جوهر الإنجاز الكبير لمظاهرات 2020.

لقد نجحت محاولة إعادة كتابة التاريخ فى عدة أيام، وعلى الهواء مباشرة.. تمثالاً وراء تمثال، وتاجر رقيق وراء الآخر، ومن شرق الأطلسى إلى غرب المحيط. نجحت «أمريكا الحرة» ضد «أمريكا العنصرية»، وعدّلت «أمريكا الجديدة» من «أمريكا التاريخية». لكن ذلك التعديل الأخلاقى الكبير، يواجه مزيداً من الانقسام السياسى، والاحتقان الأيديولوجى.. على نحو غير مسبوق. إنها المرة الأولى التى يضطر فيها المرشح الديمقراطى إلى القول إن الرئيس الجمهورى قد يعبث بنتائج الانتخابات، وإنه قد يسرق الأصوات، ثم إنه قد لا يعترف بالهزيمة، أو يوافق على مغادرة البيت الأبيض. إنها أيضاً المرة الأولى التى يقول فيها المنافس الرئاسى: إن الجيش سوف يقوم بإخراج المرشح المهزوم من البيت الأبيض بالقوة!

هكذا تتشكل لدينا ملامح «أمريكا الجديدة»: إعادة كتابة التاريخ، مراجعات أخلاقية كبرى.. وأيضاً انقسام سياسى كبير، ومعالم «عالم ثالثيّة» متزايدة.

لقد صاغَ هذا المشهد المركّب عنواناً جديداً للقوة العظمى: أمريكا ضد أمريكا.